السياحي

مَدرسة مَازونة الفِقهية في غليزان

رمز للإشْعاع العِلمي  والحَضاري

الأستاذة :ليلى بلقاسم

تحولت  مازونة خلال القرن السادس عشر ميلادي ونتيجة الهجرات الأَندلسية إلى  مركزا للإشعاع العلمي والحضاري في المغرب الإسلامي  كانت لها علاقات تأثير وتأثــــر بالحواضر الاسْلامية الأخرى كَتلمسان وندرومة و فاس … قال فيها شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله في تاريخ الجزائر الثقافي ” المعروف أنَّ مازونة كانت عاصمة إقليمية بعض الوقت في العهد العثماني الأَوَّل  كانت مدينة العلم والعلماء بنزول العديد من الأسر الاندلسية بهاَ، ورسوخِ أشرافهاَ وشهرة مدرستهاَ، وقد ظل بصيص نورهاَ يضيءُ، أيضاَ الظلمات أثناء الاحتلال الفرنسيْ”.ومَا زاد من تألقها العلمي تأسيس مدرسة ما زونة الفقهيةْ والتي لا زالت إلى اليوم تَــحوي النوادر من المخطوطات والكتب النادرة التي تنتظر التفاتة جادة من أجل حفظ ما تَــبقى منها وتمكينها للباحثين والمحقيقينَ من أجل تحقيقها للاستفادة منها بِقدر المُستطاع.

  وتعد المدرسة  من المدارس العَتيقة في الجهة الغربية من المغرب الأوسط  المتخصصة في العُلوم الدينية كَالفقه والأصول والتفسير وعلوم القرآن والحديث  يشهد لها بتخريج خيرة العلماء المُقتدرين في التَخصصات الدينية و يعود الفضل في تأسيسها إلى  الشيخ أمحمد بن الشارف البولداوي عام 1024هـ /وهو من النَازحين الأندلسيين والذي نذر نفسه للتدريس فيها مدة 64 عَـــام إلى أَن توفي سنة 1164هـ ليخلفه في التدريس نجله .

 

 

 

…وازدهرت المَدرسة أَكثر على يد  المُرابطْ المجاهدَ  محمد بن علي أبو طالب المازوني بن عليْ بن عبد الرحمان بن محمد بن الشارف  حيث جنَّد  200 طالب  عِــلم وكان عمره في الثمانين فذهب إلى معسكر ومنها إلى وهران مَشيا على الأَقدامْ وامتنع عن الركوب وترك راحلته للمرضى من طلبته وأضافه الباي  “محمد الكبير” إلَــى قِيادة الرِباط عامْ  1205هـ لمُحاربة الاسْــــــبان  لتحرير مَدينة هران  ورد الغزو عليهاَ،واعترافا بالجميل أعاد الأتراك تهيئتهاَ  فازدهرت أَكثر و خلفه على التدريس بها الشيخ محمد بن هنيْ وشقيقه عبد الرحمان بن هني …ولا زالت عائلة هني الى اليوم تحتفظ بالشجرة الشريفة

 

أَمَّها العديد من الطَلبة لتلاَّقي العلم وفي ظل غياب قائمة تضبط عدد من قصدوا مازونة من طلبة العلمْ  كونها لم  تقيد في السِّجلات والدَفاتر لكثرة اعدادهمـ ومن أشهرهؤلاء الطلبة نذكر الحافظ أبو راس النَاصري المعسكري“شيخ أهل غريسْ” حيث ارتحل إلى مازونة فلقي الجهابدة على حد قوله وبلغ عدد أساتذته بالمدرسة 14 أستاذا منهم محمد بن هني بن ابراهيم ومحمد ابن ابراهيم ومصطفى ابن ويس  والبودالي في علم الفرائض وابن علي بن الشيخ ابي عبد الله المغيلي  وغيرهم  وكان من طلبة مازونة النُجباءْ و المتوفي سنة 1238هـ/ 1823مـ  وما يفسر القيمة العلمية والثقافية والحضارية للمدرسة ما ورد على لسانه:” سألني الشيخ محمد بن لبنة  عن وجهتي، فقلت له:” ذاهب إلى مازونة قال لمـَ؟ قلت:” لقراءة القرآن ؟ فقلت نعرفه بأحكامه وأنصاصه وما يتعلق به ، فحفظت في ما زونة مختصر خليل وفهمته معنى ولفظاً في عامي الأول ثم قرأْت للطَلبة الفرائض، وتتلمذ عليه الشيخ العلامة الناصحْ محمد بن القنذوزالمستغانمي الذي تتلمذ عليه محمد بن علي السنوسي المستغانمي”.وممن تخرج منها  أيضاً من العلماء والفقهاء نذكر أبو عمران موسى ابن علي المازوني وابنه زكريا يحي بن موسى الذي درس بتلمسان ودفن بها صاحب كتاب “الدرر المكنونة  في نوازل مازونة”  والشيخ محمد بن علي السنوسي صاحب الطريقة السنوسية  والشيخ مصطفى الرماصي  والشيخ الثائر بومعزة والشيخ عدة بن غلام الله  مجدد الطريقة الشاذلية  والشيخ محمد بن حوا وحفيد صاحب الدرر محمد الصادق بن الحميسي القاضي في العهد العثماني …

وكانت المدرسة مقصدا للطلاب من كل حدب وصوب تعيش على موارد الأوقاف والرتبة وقد تعاقب على التدريس بها عدة شيوخ نذكر منهم سيدي الميسوم والشيخ الكتاني إلى جانب الشيخ بسودة المغربي… ممن كان لهم دور في استقطاب الطلبة إلى المدرسة نظرا لدورهم العلمي والاجتماعي وقد مدحها أحد خريجها وهو الفقيه والأَديب ” عبد القادر الخطابيْ”  المتوفي في مصر صاحب كتاب “الكوكب الثاقب في أسانيد الشيخ أبي طالب”  في نَـظم يحث فيه على شد الرِّحال طلبا للعلم اليهاَ  فقال :

إذا رُمت فِقه الأصيحيْ  فعج علىْ *** دِيار بِها حلتْ  سُعود الكَواكب

وَحطَّ رِحال السّير وأَنو إقامة *** بمازونة الغــرَّاء ذَات المـــــَــناصب

تَجد سَادة للفضل والعِلم مهدواْ*** طريقاً بها أضـــحى التعصي بجانب .

وكانت لا تمنح الإجازة بهاَ  إلا بعد القراءة على الشيخ المُجيز بعد مُلازمته  شهوراَ و أعواماَ ومناظرته في المسائل  وقراءة بعض المؤلفات للشيخ وقراءة بعد المؤلفات ذات المحتوى العلمي… وَكان أَغلب خريجها ممن تولوا القضاء والوظائف الشرعية بالمغرب الأوسط والمغرب الأقصى وشرقه  وشماله  وريفه  ونواحي تازة … يلقون الميرة والإكرام من سكان الضواحيْ من مازونة حيث يُصلون بهمْ التراويحْ في شهر رمضانْ ويعلمون أبناءهم في العطل الصيفية كما أَنّ المتخرج من المدرسة  يحفظ متن خليل عن ظهر قلب فهو يمتاز عن المُتخرجين من القرويين بإصدار الفَتاوى والأَحكام بمجالس الحكمة في الأَسواقْ  وكانت أيضاَ إجازة المدرسة معترف بها وتكسب التقدير والاحترام العلمي.

ومن بين العلوم التي كانت تدرس بها نذكر العلوم الدينية على رأسها الفقه المالكي اعتمادا على مختصر خليل لهذا لقب مشايخها بـــ”الخليليون” إلى جانب علم الحديث إعتماداَ على صحيح البخاري ومسلمْ وموطـأ الامام مالكْ إضافة إلى العلوم اللغوية إعتماداَ على ألفية مالك والأرجوميةْ.

و لا تزال  خزانة المدرسة إلى اليومْ تحوي أُمهات المخطوطات اليدوية ومنها ست أجزاء كبيرة من شرح البخاري ومسلمْ  الخزانة التي استفادت من حبس نسخة من صحيح مسلمـ عام 1212هـ وبعض الكتب الأُخرى من طرف الباي محمد الكبير ويذكر لوكيل يوسف عنها :” … وقد احتوت هذه المدرسة على مكتبة ضمت مراجع ومجلدات غنيةْ كلها هباتْ من البايـــات والأَعيانْ.” وكذلك مجلدات قديمة أَهمها حاشية أبو طالب المازونيْعلى مؤلفات محمد السنوسي التلمساني  وكانت معتمدة في التدريسْ وشرح آخر يعرف بـ”الجزائرية” وهو كتاب في العقيدة الأَشعرية قام بتدريسها  أَحفاد أبي طالب من بينهم الشيخ محمد بن هني وكتاب أَيضا في  الإجازات  “الكوكب الثاقب  في اسانيد أبي طالب” وكانوا يجمعون فيه الأَسانيد المازونية …وهِــي مُوزَّعة بين العلوم الدينية واللغوية وقد  تعرض اليوم  الكثير من محتوياتهاللإتلاففبعضهاَ أُهدي ومنه ما هو موزع بين العائلة في شكل مكتبات شخصية ومنه ما هو محفوظ في الخزانة بين مطبوع ومخطوطْ لا تراعى فيه شُـــروط الحفظ .

كما تحوي المدرسة مقعدا أثريا والذي أوتي به من معسكر إلى مازونة يعود إلى فترة  1700مـأهدي لأَبـــو طالب المازوني من طرف الباي عثمان وحمله الطلبة مشيا على الأقدامـ كُتب عَليه ” الكَـريمـُ مَكرومـْ والبَخيلُ مَحرومـْ وَالدُنياَ لاَ تدومـْ إلاَّ للحَي القيومْـ “.

mazouna

 

وعليه فإن مدرسة مازونة رغمـ أُفول نجمها العلمي وتأَثيرها الحضاري   وتقاعس دورها اليـــومْ  الاَّ لعبت دورا كبيرا في المحافظة على الثقافة العربية الاسلامية المستمدة من الفقه المالكي على الصعيد الداخلي في القطاع الوهراني وخارجه وكانت مقصدا لكل الراغبين في التضلع في العلوم الإسلامية ونظرا للشهرة التي نالتهاَ فإذا أراد الناس أن يفاخرواْ بطالب علمٍ وأَن يعظموه قالوا أَنَّه دَرس  بمازونة التي بقيت ملحمة في عقول وذتكرة النَاسإلى يومنا هذا قال الشيخ جلول البدويْ:

اذكر مازونة واعرف قدر ما اشتملتْ*** عَـــــليه مــن خير ما ينويهْ مرتـــادْ.

مدينــــــــــة جال فــــيهاَ العلم جـــولته *** إذا عاش فيها من الأعلام الاوطادْ.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>